
لم تكن استقالة إلياس الساحلي من المكتب الجامعي للجامعة التونسية للكرة الطائرة مجرد قرار بمغادرة المسؤولية، بل حملت في طياتها رسائل عديدة تتعلق بتقييم التجربة، والاعتراف بالنقائص، وضرورة مراجعة أساليب تسيير الرياضة التونسية. فالمسؤول الشاب والطموح اختار أن يوضح أسباب قراره بكل صراحة، مؤكدًا أن استقالته جاءت نتيجة مراجعة شخصية لتجربته، وليست ردّ فعل على خلافات أو انتقادات، مشددًا على أنه أجّل اتخاذ هذه الخطوة احترامًا لالتزاماته، وحرصًا على المساهمة في إنجاح الاستحقاقات الإفريقية التي احتضنتها تونس.
ما يلفت الانتباه في موقف إلياس الساحلي هو اعترافه الصريح بأنه لم يحقق كل الأهداف التي رسمها لنفسه. فقد أقرّ بأنه لم يتمكن من استقطاب الموارد المالية بالمستوى الذي كان يطمح إليه، كما لم تتحقق جميع أهداف التطوير وتحديث أساليب العمل وترسيخ مبادئ الحوكمة بالنسق المنشود. وهي مقاربة تستحق التقدير، لأن تحمّل المسؤولية لا يقتصر على الاحتفاء بالنجاحات، بل يتطلب أيضًا الاعتراف بالنقائص ومصارحة النفس قبل الآخرين.
وحرص الساحلي على التأكيد أن تقييمه لتجربته لا ينتقص من مجهودات بقية أعضاء المكتب الجامعي، ولا من قيمة النجاحات التي تحققت بفضل العمل الجماعي، معبرًا عن تقديره لرئيس الجامعة عبد المجيد جراد، ولأعضاء المكتب الجامعي، ولكل من ساهم في خدمة الكرة الطائرة التونسية.
ولعلّ ما يبعث على الأسف هو مغادرة كفاءة شابة تمتلك الطموح والرغبة في التطوير موقع المسؤولية، في وقت تحتاج فيه الرياضة التونسية إلى ضخ دماء جديدة، وإلى مسؤولين يؤمنون بالتخطيط والتجديد والبحث عن حلول عملية للصعوبات المالية والإدارية التي تعترض الجامعات والأندية. فمثل هذه الكفاءات تمثل رصيدًا مهمًا ينبغي الاستفادة منه، وتوفير المناخ الملائم لها حتى تتمكن من تحويل أفكارها وبرامجها إلى مشاريع ملموسة.
ولم تتوقف رسالة استقالة إلياس الساحلي عند حدود تجربته الشخصية، بل تجاوزتها إلى طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المنظومة الرياضية في تونس. فقد دعا إلى مراجعة الإطار القانوني، وإرساء الاحتراف في التسيير، وتنويع مصادر التمويل، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وربطها بأهداف قابلة للقياس والتقييم.
وهي أفكار تفتح باب النقاش حول مدى قدرة المنظومة الحالية على مواكبة متطلبات الرياضة الحديثة، في ظل محدودية الموارد وتزايد الطموحات. كما شدد على أن النجاح الرياضي لا يمكن أن يستمر بالاعتماد على مجهودات الأفراد وحدها، بل يحتاج إلى استراتيجية واضحة، وحوكمة رشيدة، وإمكانيات مالية وبشرية تسمح بتطوير التكوين والبطولات والمنتخبات الوطنية.
إن خسارة مسؤول شاب وطموح مثل إلياس الساحلي لا تُقاس فقط بمغادرته المكتب الجامعي، بل أيضًا بما قد تخسره المنظومة الرياضية من أفكار ومبادرات وكفاءات قادرة على الإضافة. فالاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، لكن الأهم هو تحويله إلى فرصة للتطوير، لا إلى عامل يدفع الكفاءات إلى الابتعاد عن مواقع القرار.
في النهاية، تستحق استقالة إلياس الساحلي التوقف عندها، لا باعتبارها نهاية تجربة فحسب، بل باعتبارها مناسبة للتفكير في كيفية المحافظة على الكفاءات الشابة وتشجيعها على العمل في الشأن الرياضي. فالرياضة التونسية لا تحتاج إلى النتائج وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى رجال ونساء يمتلكون الرؤية والطموح والاستعداد لتحمل المسؤولية.
يغادر إلياس الساحلي موقعه، لكنه يؤكد أنه لا يغادر حبه للكرة الطائرة التونسية وإيمانه بقدرتها على التطور. ويبقى الأمل أن تكون هذه التجربة درسًا مفيدًا، وأن تجد الكفاءات الشابة المناخ الذي يسمح لها بخدمة الرياضة التونسية وتحقيق الإضافة التي ينتظرها منها الجميع
أنفوسبور بلوس أخر الأخبار العربية و العالمية